سياسة

العراق بين الشرق والغرب

فهد ديباجي


المتتبع لما يحدث في العراق يرى في الأفق بوضوح خوفا إيرانيا من فقدان السيطرة على نفوذه في العراق.

فلم تكن الانتخابات العراقيّة الأخيرة، والتي تعد الأكثر نزاهة والأقرب لرغبة الشعب، سوى تسجيل لواقع يتمثّل في تراجع الموالين لإيران بالداخل العراقي، في ظل تقدّم الكتلة الصدريّة، التي يتزعّمها مقتدى الصدر.

عمليًا، وبعد إصراره في البداية على حكومة صدرية، تراجع التيار الصدري نسبياً عن ذلك، وأكد أن الفوز في الانتخابات ليس أهم من تلبية حاجة جميع العراقيين، فيما لم ينتظر النظام الإيراني طويلا لتنتهي الانتخابات دون محاولة منه لإحداث تأثيرات على المسار الإصلاحي العراقي، بعد أن كشفت نتائج الانتخابات بكل وضوح خسارة الأحزاب المليشياوية ذات الولاء لطهران، بينما أبدى العراقيون رفضهم الاحتلال الإيراني وارتهان قرار بلادهم لنظام الملالي، مُبدين إصرارهم على الخلاص منه، لا سيما من أوساط كان يُروّج كذبا بأنها حاضنة مذهبية مخلصة لاختطاف العراق نحو إيران، بينما برهنت تلك الأوساط بالتظاهرات والانتفاضات والاعتصامات الشعبية المتواصلة على إخلاصها لوطنها لا لمذهبها، كما أن نتائج الانتخابات أوضحت بشكل جليٍّ أن من ذهب إلى صناديق الاقتراع من الشعب العراقي صوّت ضد إيران ومَن تحالف معها في الداخل، كذلك أكدت أن ثوابت المجتمع العراقي تدعم وتؤمن بالاستقلالية المتوارثة وتبغض الوجود الإيراني، رغم القتل والعنف المفرط المستخدم ضده من قبل مليشيات إيران، وأن الوجود الإيراني في العراق، رغم كل ما فعله عبر أساليب قمعية همجية، سقط أمام إرادة المجتمع العراقي العربي الأصيل.

لهذا فمن الطبيعي أن تستخدم إيران الآن كل نفوذها وأساليبها غير المشروعة، معتمدة على مليشياتها داخل العراق، والتي تراهن عليها في مثل هذه المواقف، لتلعب دورًا لصالح إنقاذ نفوذها عبر تفاهمات وصفقات من أجل تشكيل حكومة تدين لإيران بالولاء المطلق وتخترق من خلالها سيادة العراق.

ومن الطبيعي ما نراه من تصعيد، فالخاسرون لا يريدون الخروج من السلطة، وإيران تريد إبقاء العراق في قبضتها، وأن تبقى رئتها التنفسية الخارجية، ما يجعل وكلاءها لا يحتملون تبعات الخسارة، فيرتكبون حماقات لا تُحمد عُقباها.

إن أكبر نعمة أهدتها لنا الانتخابات العراقية الأخيرة إعطاء أمل للعراقيين، فحين يستحضر أي عراقي أصيل تاريخ بلاده، حضارة الرافدين التي تعد من أقدم حضارات الدنيا، فمن المستحيل أن يرضى بسيطرة القوى الفاسدة والفاشلة والخائنة والمليشيات المجرمة، فالشعب العراقي لا يمكنه قبول وجود عصابات تتبع إيران على أراضيه عبر شعارات كاذبة، كما لا يرضى باختطاف بلده من قبل نظام الملالي عبر قوة يفرضها بانتهازية لا تخفى على وعي المواطن العراقي، لتستمر القوى الولائية لإيران في إجراء بروفات تصعيد ضد رغبة التصويت الشعبي، بالنزول إلى الشارع للانقلاب على نتائج الانتخابات.

نعم، هذه البيئة، التي تحاول إيران خلقها ودعمها في العراق، هي التهديد والإرهاب الحقيقي بعينه، والذي يجب استئصاله من جذوره قبل وقوع كارثة أخرى ربما أكبر من كارثة تنظيم “داعش” الإرهابي، فالعراق أراد التغيير وسيتحرر بدعم شعبه ومساندة عربية ودولية، ليقف في وجه الضغوط والابتزاز الإيراني، ويمسح آثار السنوات العجاف المليئة بالدمار والفقر وتوقف هدر الأموال والأرواح العراقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى