سياسة

الرياض تدخل على خط التهدئة لمنع اتساع الحرب


مع اتساع رقعة الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تتزايد المؤشرات على أن الصراع يتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدا، وسط مخاوف إقليمية ودولية من تداعياته الاقتصادية والأمنية. وفي هذا السياق، كشفت وكالة بلومبرغ نقلا عن عدد من المسؤولين الأوروبيين أن السعودية كثّفت في الأيام الأخيرة تواصلها المباشر مع طهران عبر قنوات دبلوماسية غير رسمية، في محاولة للمساعدة على احتواء النزاع المسلح ومنع انزلاقه إلى مواجهة أوسع في الشرق الأوسط.

وبحسب ما أوردته الوكالة، فإن هذه الاتصالات تأتي في إطار تحرك دبلوماسي تقوده الرياض لتخفيف حدة التوتر المتصاعد، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي استمرار العمليات العسكرية إلى زعزعة استقرار المنطقة برمتها. غير أن هذه المعلومات التي نقلتها بلومبرغ استندت إلى مصادر أوروبية ولم يصدر بشأنها تأكيد رسمي مباشر من السعودية أو إيران، ما يعني أنه لم يتسن حتى الآن التحقق بشكل مستقل من مدى دقة هذه المعطيات أو طبيعة الاتصالات التي يجري الحديث عنها.

ويأتي هذا التطور في وقت تصعد فيه واشنطن من خطابها العسكري والسياسي تجاه طهران، فقد أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت أن الولايات المتحدة تسير “بخطى ثابتة” نحو السيطرة على المجال الجوي الإيراني، مؤكدة أن واشنطن تتوقع تحقيق أهدافها العسكرية “القابلة للتحقيق” خلال فترة تتراوح بين أربعة وستة أسابيع. وتشير هذه التصريحات إلى أن الإدارة الأميركية ترى أن العمليات العسكرية الحالية قد تفضي إلى تغيير موازين القوى على الأرض، وربما إعادة تشكيل المشهد السياسي في إيران.

وفي تصريحات أخرى، أكدت ليفيت أن الحكومة الأميركية تبحث بالفعل عن مرشحين محتملين لقيادة إيران مستقبلا، في إشارة إلى احتمال حدوث تحول سياسي كبير في البلاد. وتأتي هذه التصريحات بعد مقابلة للرئيس الأميركي دونالد ترامب مع وكالة رويترز، قال فيها إن الولايات المتحدة ينبغي أن تشارك في اختيار الزعيم الإيراني المقبل، معتبرا أن أي تسوية مع طهران لن تكون ممكنة إلا في إطار ما وصفه بـ”الاستسلام غير المشروط”.

في المقابل، أعلنت إيران أنها أطلقت صواريخ مضادة للسفن من سواحلها باتجاه حاملة الطائرات الأميركية ‘يو إس إس أبراهام لينكولن’ المنتشرة في المنطقة. وأفادت البحرية الإيرانية بأن الصواريخ أطلقت من الساحل في إطار الرد على العمليات العسكرية الجارية، بينما بثّ التلفزيون الرسمي الإيراني مشاهد قال إنها للحظة إطلاق الصواريخ. ولم يصدر تعليق فوري من واشنطن بشأن هذه الرواية، الأمر الذي يترك الباب مفتوحا أمام تضارب الروايات حول طبيعة الحادثة وما إذا كانت الصواريخ قد أصابت أهدافها أو جرى اعتراضها.

وتعود جذور التصعيد الحالي إلى 28 فبراير/شباط الماضي، حين بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليات عسكرية واسعة ضد إيران، أسفرت بحسب تقارير متعددة عن مقتل مئات الإيرانيين، من بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين الأمنيين. وردت طهران على ذلك بإطلاق موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه أهداف داخل إسرائيل، إضافة إلى استهداف ما وصفته بـ”المصالح الأميركية” في عدد من دول المنطقة.

وتعرضت مواقع في دول الخليج والعراق والأردن لهجمات بالصواريخ والمسيرات، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى سقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار بمنشآت مدنية. وقد أدانت الدول العربية المستهدفة هذه الهجمات، مطالبة بوقف الاعتداءات وعدم توسيع دائرة الصراع.

غير أن الخطر الأكبر الذي يثير قلق العواصم الإقليمية والدولية لا يقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل يتصل باحتمال انفتاح الحرب على استهدافات أوسع تشمل منشآت حيوية في المنطقة، مثل حقول النفط والمصافي والموانئ والمطارات في الخليج. فمثل هذه الضربات قد تؤدي إلى اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة العالمية، خصوصا أن الخليج يمثل أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير النفط والغاز في العالم.

كما أن اتساع نطاق العمليات قد يهدد حركة الملاحة في المضائق المائية الحيوية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية، فضلا عن سلاسل الإمداد الغذائية والسلع الأساسية المتجهة إلى دول الخليج وغيرها من الأسواق. ويخشى مراقبون أن يؤدي أي تعطيل طويل الأمد لتلك المضائق إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والمواد الغذائية، مع انعكاسات اقتصادية عالمية واسعة.

ولا يقتصر التأثير المحتمل للحرب على النقل البحري فحسب، بل قد يمتد أيضا إلى قطاع الطيران المدني والشحن الجوي، إذ أن اتساع العمليات العسكرية قد يدفع شركات الطيران إلى تجنب مسارات جوية واسعة فوق الشرق الأوسط، وهو ما سيؤدي إلى زيادة تكاليف النقل وإطالة زمن الرحلات وتعطيل حركة التجارة.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع المخاوف الاقتصادية، فالدول الإقليمية التي لم تكن ترغب أصلا في أي توترات إضافية تجد نفسها اليوم أمام احتمال دفع أثمان اقتصادية باهظة نتيجة حرب آخذة في الاتساع، قد لا تبقى محصورة بين أطرافها المباشرين، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأسره.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى