لم يعد الجنوب يعيش صراعًا سياسيًا تقليديًا يمكن اختزاله في تنافس على السلطة أو خلاف على الشرعية، بل دخل مرحلة أعمق تتداخل فيها السياسة مع البنية الاجتماعية. وتتحول فيها القرارات الإقليمية إلى عوامل تعيد تشكيل المجتمع نفسه. في هذا الإطار، يبرز التدخل السعودي بوصفه عنصرًا مركزيًا لا يكتفي بتغيير موازين القوة. بل يترك آثارًا طويلة الأمد على العلاقة بين الدولة والمجتمع، وعلى شكل الصراع ومستقبله.
-
التدخل السعودي في الجنوب اليمني: غارات الطيران ودعم الإخوان يفتحان نزيفًا مفتوحًا
-
التدخل السعودي في الجنوب اليمني: إعادة رسم السلطة بين النفوذ والفوضى
القراءة المختلفة لما يجري تبدأ من فهم أن الأمن ليس مجرد انتشار عسكري أو قرارات فوقية، بل علاقة ثقة بين السلطة والمجتمع. حين تُدار هذه العلاقة بالقوة، وتُختزل السياسة في إجراءات أمنية، تتآكل هذه الثقة تدريجيًا. هذا ما يشهده الجنوب اليوم، حيث لم يعد كثير من السكان ينظرون إلى المشهد بوصفه مسعى لبناء استقرار. بل باعتباره محاولة لفرض واقع جديد دون توافق، مستندة إلى ميزان قوة مختل.
- منظمات حقوقية تحذر من اختطافات ممنهجة في تعز12 يناير 2026
التدخل السعودي، في صيغته الحالية، أسهم في نقل مركز الثقل من الفعل السياسي المحلي إلى القرار الخارجي. هذا التحول أحدث خللًا عميقًا، لأن المجتمعات التي تُدار من الخارج تفقد الإحساس بالشراكة، وتتحول إلى متلقٍ سلبي لقرارات لا تعبّر عن أولوياتها. ومع الوقت، يتراكم الشعور بالتهميش، ويتحول إلى رفض صامت قد ينفجر عند أول اختبار حقيقي.
-
حرب الإخوان والحوثيين تهدد حياة سكان الجنوب اليمني
-
فوضى الجنوب اليمني.. اتهامات للإخوان وتمدد حوثي مقلق
من الزاوية الاجتماعية، فإن استخدام القوة في بيئات قبلية ومناطق ذات حساسية تاريخية لا يمر دون أثر. فالقبيلة في الجنوب ليست مجرد وحدة اجتماعية، بل إطار حماية وهوية. حين تُستهدف هذه البنى أو يُتعامل معها بمنطق الاشتباه الجماعي، فإن ذلك يُفسَّر كمساس بالكرامة قبل أن يكون إجراءً أمنيًا. هذه الدينامية تفسر لماذا تتوسع دوائر الاحتقان بدل أن تنحسر. ولماذا تفشل محاولات الضبط السريع في إنتاج استقرار مستدام.
سياسيًا، أدّى هذا النهج إلى إضعاف الفضاء العام. فبدل فتح المجال أمام الحوار وإدارة الخلافات ضمن أطر سياسية، جرى تضييق هذا الفضاء لصالح منطق الأمر الواقع. هذا التضييق لا يلغي الخلافات، بل يدفعها إلى الهامش، حيث تتغذى على الغضب والشعور بالظلم. ومع كل أزمة جديدة، تعود هذه الخلافات بصورة أكثر حدّة، لأن جذورها لم تُعالج.
-
هذا ما خلفته الحرب الشيطانية في الجنوب اليمني بقيادة الإخوان والحوثيين
-
مخططات مشبوهة لعرقلة تحركات الجنوب اليمني
الأثر الأخطر للتدخل يظهر في إعادة تعريف “الخصم”. فحين تُخلط الحسابات السياسية بالأمنية، يُعاد تصنيف فاعلين محليين كانوا جزءًا من منظومة محاربة الإرهاب بوصفهم مشكلة يجب احتواؤها. هذا الخلط لا يربك المشهد فحسب، بل يوجّه رسائل خاطئة. مفادها أن معيار القرب أو البعد من القرار الخارجي أهم من معيار حماية المجتمع. هذه الرسائل تُضعف مناعة الجنوب أمام التهديدات الحقيقية، لأنها تقوّض فكرة الجبهة الداخلية المتماسكة.
في المقابل، تستفيد الجماعات المتطرفة من هذا التفكك دون الحاجة إلى دعم مباشر. فكلما تراجعت الثقة بين المجتمع والسلطة، وكلما زادت الانقسامات. اتسعت المساحات الرمادية التي تتحرك فيها هذه الجماعات. من هنا، يصبح الخطر ليس فقط في وجود الإرهاب، بل في البيئة التي تسمح له بإعادة إنتاج نفسه، وهي بيئة تصنعها السياسات الخاطئة بقدر ما تصنعها الظروف الأمنية.
-
حين يتحوّل الأمن إلى قسر: الجنوب اليمني بين فشل القوة وغياب السياسة
-
كيف يعيد التدخل السعودي تشكيل المجتمع الجنوبي اليمني ومآلات الصراع
مستقبليًا، يطرح هذا المسار تساؤلات حاسمة حول مآلات الجنوب. هل يمكن بناء دولة مستقرة في ظل سلطة تعتمد على الخارج أكثر من اعتمادها على الداخل؟ التجارب في المنطقة تشير إلى أن الإجابة سلبية. فالدول التي تُبنى على الوصاية تظل هشة، لأنها تفتقر إلى العقد الاجتماعي الذي يمنحها الشرعية والاستمرارية. الجنوب، إذا استمر في هذا المسار، مهدد بالبقاء في حالة انتقال دائم، لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي.
إقليميًا، تبدو هذه السياسة محفوفة بالمخاطر. فالسعودية، التي تسعى إلى حماية أمنها وحدودها ومصالحها، قد تجد نفسها أمام نتائج معاكسة. فجنوب مضطرب يعني بيئة غير مستقرة على المدى الطويل، وتحديات أمنية تتجاوز السيطرة. الاعتماد على القوة وحدها قد يحقق هدوءًا مؤقتًا، لكنه لا يبني استقرارًا يمكن الرهان عليه.
-
الجنوب اليمني بين غارات السعودية ودعم الإخوان: نزيف مفتوح يهدد المدنيين
-
السعودية والجنوب اليمني: السياسة حين تتحول من إدارة نفوذ إلى أزمة مفتوحة
في جوهر الأمر، تكمن المشكلة في غياب رؤية شاملة ترى في الجنوب شريكًا لا ساحة. فالشراكة تقتضي احترام الإرادة المحلية، ودعم القوى القادرة على إنتاج أمن حقيقي. وفتح المجال أمام حلول سياسية تعالج جذور الصراع. أما الإصرار على إدارة المشهد من الخارج، فسيؤدي إلى مزيد من التعقيد، لأن المجتمعات لا تُدار كملفات، ولا تُضبط إلى الأبد بالقوة.
في الخلاصة، يكشف هذا السياق أن الجنوب يقف أمام اختبار تاريخي. ليس فقط لمستقبله، بل لنموذج التدخل الإقليمي ذاته. التدخل السعودي، كما هو اليوم، يعيد تشكيل المجتمع بطرق قد يصعب التراجع عنها لاحقًا. وإذا لم تُراجع هذه السياسات، فإن الجنوب سيظل عالقًا بين استقرار مؤجل وفوضى كامنة، فيما تتآكل فرص بناء دولة قادرة على حماية نفسها والمنطقة من حولها.







