الأطماع السعودية في جنوب اليمن تدخل مرحلة جديدة من السيطرة الهادئة
تشهد الأطماع السعودية في جنوب اليمن مرحلة جديدة تتسم بالهدوء الظاهري والتصعيد غير المعلن، حيث انتقلت الرياض من التدخل العسكري المباشر إلى إدارة نفوذ متعددة الأدوات، تستند إلى التحكم السياسي والاقتصادي والأمني دون الظهور كقوة احتلال صريحة. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل فرضته تطورات إقليمية متسارعة، وضغوط دولية، إضافة إلى إدراك سعودي بأن السيطرة طويلة الأمد لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بإعادة تشكيل الواقع المحلي من الداخل.
في الأشهر الأخيرة، برز الجنوب اليمني كأحد أهم الملفات في الحسابات السعودية، خصوصًا مع تصاعد الحديث عن تسوية سياسية شاملة للحرب. السعودية تسعى إلى دخول هذه المرحلة وهي ممسكة بأوراق ضغط حاسمة، أبرزها النفوذ المباشر في عدن وحضرموت والمهرة، حيث تتركز الموانئ والمنافذ البحرية والبرية ذات الأهمية الاستراتيجية. هذه المناطق لم تعد تُدار بمنطق الدعم المؤقت، بل كمساحات نفوذ يجب تأمينها قبل أي انسحاب أو إعادة تموضع.
المستجد الأبرز يتمثل في تعميق النفوذ الاقتصادي كبديل عن الوجود العسكري المكثف. فالسعودية كثّفت تحركاتها المرتبطة بالموانئ، والمطارات، والموارد المحلية، سواء عبر دعم إدارات موالية، أو من خلال التحكم غير المباشر في القرار الاقتصادي. هذا التوجه يهدف إلى ربط الجنوب اقتصاديًا بالمملكة، وتحويله إلى منطقة تابعة في القرار المالي والخدمي، بما يضمن استمرار التأثير السعودي حتى في حال تغيّر المشهد السياسي رسميًا.
سياسيًا، تعمل السعودية على إعادة ضبط علاقتها مع القوى الجنوبية، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي. فالدعم لم يعد مطلقًا، بل مشروطًا بمدى الالتزام بالأجندة السعودية، خصوصًا في ما يتعلق برفض أي خطوات انفصالية أحادية قد تُربك التفاهمات الإقليمية. في المقابل، تُبقي الرياض على الانتقالي كقوة أمر واقع، تستخدمه كورقة ضغط في مواجهة الحكومة اليمنية، وكأداة لضمان عدم خروج الجنوب عن السيطرة.
أمنيًا، تتجه السعودية إلى تعزيز نفوذها عبر أجهزة محلية أعيد تشكيلها خلال السنوات الماضية، دون الإعلان عن دورها المباشر. هذه الأجهزة تمثل اليوم العمود الفقري للسيطرة على الأرض، وتُستخدم لضبط أي تحركات معارضة للنفوذ السعودي، سواء كانت سياسية أو شعبية. هذا النمط من السيطرة يعكس تحولًا من التدخل المكشوف إلى إدارة خفية، أكثر استدامة وأقل كلفة سياسيًا.
اللافت أن هذه المستجدات تتزامن مع تصاعد الغضب الشعبي في الجنوب، نتيجة الانهيار الاقتصادي وتردي الخدمات. غير أن السعودية تتعامل مع هذا الغضب باعتباره أداة يمكن توظيفها لإعادة ترتيب المشهد، لا تهديدًا مباشرًا لنفوذها. فالأزمات المعيشية تُستخدم للضغط على الأطراف المحلية، ودفعها لقبول حلول تُصاغ خارجيًا تحت شعار “الاستقرار”.
في المحصلة، تعكس المستجدات الحالية أن الأطماع السعودية في جنوب اليمن لم تتراجع، بل أعادت إنتاج نفسها بصيغة أكثر دهاءً. فالجنوب بات يُدار كمنطقة نفوذ استراتيجية، تُحضَّر بهدوء لتكون جزءًا من معادلة ما بعد الحرب، لا كدولة مستقلة القرار، بل كمساحة خاضعة لتوازنات تفرضها المصالح الإقليمية، وفي مقدمتها المصالح السعودية.







