سياسة

أوروبا.. من الاستقرار إلى الاستنفار

عبدالجليل السعيد


إن الكلمة، التي تقال اليوم بكثرة في المجالس ونشرات الأخبار والأحاديث بعد حرب أوكرانيا، أن العالم تغير بشكل غير مسبوق نحو الأسوأ.

 

ربما تكون كلمة صادقة في معناها العام، لكن خصوصيات فهمها ربما تعطي مؤشراً بأن إجازة الاستقرار الأوروبي انتهت، فأوروبا تمشي على الجمر الأوكراني.

ومن كييف، خلال الأيام القليلة الماضية، تحدى الرئيس البولندي “دودا”، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لأن “كَيْديات” التاريخ تكمن ولا تموت، وبولندا، الجارة الأكثر قرباً في الجغرافيا والتاريخ من أوكرانيا، تخشى وتخاف، رغم كونها عضوًا في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

وعند الغوص في مفردات الاستنفار الاقتصادي، بعيداً عن السياسة والعسكرة، ماذا ستفعل أوروبا في الشتاء إذا أقفلت روسيا بأمر من القيصر “بوتين” حنفية الغاز الذاهب إليها؟

هذا سؤال يصعب الآن الإجابة عنه، والشعوب الأوروبية قبل حكوماتها خائفة من المستقبل القريب.

وفي عالم ما بعد الحرب في أوكرانيا، بات الرغيف أصعب مما كان، وهذه أفريقيا تدق ناقوس الخطر، ودول عربية فقيرة مثلها، والأمم المتحدة تهرع إلى مجلس الأمن الدولي لعقد جلسة وجلسات، محذرة من مجاعة أو مجاعات مرتقبة.

والغرب يدرك أنه سيدفع ثمناً باهظاً، لم يكن في حساباته، إذا قرر أن لا يبقى أسيراً للغاز الروسي والسلع الصينية، التي تغزو أسواقه، بل و تغرقها، في وقت تعلن فيه بكين أنها الصديق الوفي والأقرب لـ”بوتين”.

وبعد ما حدث ويحدث في أوكرانيا، أصيب الغرب بعقدة الخوف من روسيا، المصابة أصلاً بعقدة الخوف من الغرب، فموسكو أعلنت في أكثر من مناسبة، أن وجود قوات حلف الناتو قرب حدودها “أمر بالغ الخطورة” وينسف كل أشكال التوافق الروسي الغربي سابقاً.

أما الأرقام المخيفة، فهي حكاية أخرى، يصعب على المتابع سرد فصولها على عجَل، لكن مثال ذلك، أن تكلفة إعادة إعمار أوكرانيا تقدر بـ600 مليار دولار، بينما تدفع دول لا علاقة لها الثمن، فمأساة الدول الصغيرة أنها صغيرة.

ومن المؤكد أن الدول الكبرى تمتاز أحياناً بأخطائها الكبرى، والدليل على ذلك اجتياح العراق، فالدولة القوية هي الضمانة، فإذا سقطت في أتون الصراع ستترك مواطنيها في عُهدة الفصائل المسلحة.

ربما دون أن تقصد “روسيا بوتين” قدمت هدية كبرى لحلف “الناتو”، الذي أصيب مؤخراً بالشيخوخة العسكرية، فها هي فنلندا وجارتها السويد تُدفعان دفعاً إلى طلب الانضواء تحت مظلة الحلف الأطلسي رسمياً.

وحين يرحب مستشار ألمانيا الجديد، شولتس، بقرار فنلندا الانضمام إلى “الناتو”، فهذا يعني أن ألمانيا تغيّرت على نار الأزمة الأوكرانية، وتغيّرت معها كل أوروبا، إن لم نقل العالم كله.

العالم يمر بمتغيرات كبيرة، وموازين جديدة، وتحالفات صعبة، ولن تكون الغلبة في النهاية إلا للأمم القوية الغنية المتقدمة، وكما يقول الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي: “ألم يحن الوقت للعرب كي يتقاربوا ويتعاونوا ويتفقوا، حتى يكون لهم وزن ورأي ومكانة في التاريخ الجديد الذي يُصنع الآن؟!”.

 

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى